الشيخ عبد الغني النابلسي
99
كتاب الوجود
أدين بدين الحب أنّى توجهت * ركائبه فالدين ديني وإيماني « 1 » ولكن إذا تجلى سبحانه بالصورة على قلب أحدكم لم يكن عنده شك ولا شبهة أنه هو الحق سبحانه وتعالى ، فيكون علمه به مع تلك الصورة علما صحيحا ، والحكم عليه فيها حكما صحيحا ، وإذا استتر سبحانه في شيء من الصور فكانت حجبا له لا مظاهر لتجليه ، لم يكن العلم به مع تلك الصورة علما صحيحا ، ولا الحكم عليه معها حكما صحيحا ، واللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . كما ورد في بعض أوراد الشيخ الأكبر « 2 » رضي اللّه عنه من قوله : « إذا كشف فلا غير ، وإذا استتر فكل غير » انتهى . وإنما كان عيسى عليه السّلام حين أنكر على البراذعى قوله ذلك مأمورا ببيان أحكام الظاهر بمقتضى التوراة للعوام من المؤمنين ، الذين قد استتر عنهم ربهم ، ولم يكن متجليا عليهم إلا في صورة اعتقادهم ، فغلب عليه في ذلك الوقت حكم الظاهر ، فإنه عليه السّلام أرسل لتقرير أحكام التوراة بتعاليمه لشريعة موسى عليه السّلام ، وليس الإنجيل بناسخ أحكام التوراة كلها ، وإنما
--> ( 1 ) هذا مما كان ينادى به ابن عربى غير وحدة الوجود ، فقد نادى بوجود الأديان ؛ وهو أمر متوقع من مذهب انتهى إلى القول بأن الكثرة وهم ، والتعدد خداع من خداع الحواس ، وقصور من العقل البشري ؛ لأن الحق والحقيقة والعين واحدة كلها ، كيف لا وكل هذه الكثرة الظاهرة ليست إلا مرايا أو مجالي أو صور تتجلى من خلالها الحقيقة الواحدة ، ألا وهي الذات الإلهية ؟ إذا سوف يكون مصدر الأديان كلها من ثم واحدا ؛ ولذا فإن العارف الحق هو من يعبد اللّه في كل هذه الصور . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 46 ) ] . ( 2 ) وحدة الوجود كمذهب كان موجودا قبل محيي الدين ابن عربى ووجد بعده ، ويبدو أن الشيخ الأكبر قد وقف على بعض الآراء التي كانت من قبل تنادى بوحدة الوجود ؛ ذلك أن ابن عربى نشأ في الأندلس ، والأندلس الإسلامية كانت كما نعلم ملتفى عدة حضارات وثقافات متباينة . وكان ابن عربى أول واضع المذهب وحدة الوجود في التصوف الإسلامي ، وهو يقول معبرا عن مذهبه باختصار : سبحان من خلق الأشياء وهو عينها . [ الفتوحات المكية ( 2 / 604 ) ] .